ابن الجوزي
188
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
عبد الرحمن في ألفين ، وتجهز أهل الكوفة أيضا ، وقد بعث الحجاج إلى عتاب بن ورقاء وهو مع المهلب ، فبعثه على ذلك الجيش ، فاجتمعوا خمسين ألفا ، ومع شبيب ألف رجل ، فخرج في ستمائة ، وتخلف عنه أربعمائة ، فقال : قد تخلف عنا من لا يحب أن يرى فينا . ثم عبى أصحابه ، وحمل على الميمنة ففضها ، وانهزمت الميسرة ، وكان عتاب في القلب وزهرة جالسا معه ، فغشيهم ، فطعن عتاب بن ورقاء ، ووطئت الخيل زهرة ، وجاءه الفضل بن عامر الشيبانيّ [ 1 ] فقتله ، وتمكن شبيب من العسكر ، وحوى ما فيه ، فقال : ارفعوا عنهم السيف ، ثم دعا إلى البيعة فبايعه الناس من ساعتهم وهربوا تحت الليل ، فأقام شبيب يومين ، وبعث إلى أخيه فأتاه من المدائن ، ثم أقبل إلى الكوفة ، وبعث الحجاج إليه جيشا فهزمهم ، وجاء شبيب حتى ابتنى مسجدا في أقصى السبخة ، فلما كان في اليوم الثالث أخرج الحجاج مولاه أبو الورد عليه تجفاف ، وأخرج مجفّفة كثيرة ، جعلهم على هيئة الغلمان له ، وقالوا : هذا الحجاج ، فحمل عليه شبيب فقتله ، وقال : إن كان هذا الحجاج فقد أرحتكم منه . ثم أخرج إليه غلاما آخر فقتله . ثم خرج [ 2 ] الحجاج وقت ارتفاع النهار من القصر ، فقال : ائتوني ببغل أركبه إلى السبخة ، فأتوه ، فلما نظر إلى السبخة وإلى شبيب وأصحابه نزل ، وكان شبيب في ستمائة فارس ، فقعد الحجاج على كرسي ، وأخذ يمدح أهل الشام ويقول : أنتم أهل السمع والطاعة ، فلا يغلبن باطل هؤلاء الأرجاس حقكم ، غضوا الأبصار واجثوا على الرّكب ، واستقبلوا القوم بأطراف الأسنّة . فاقتتلوا قتالا شديدا ، ثم حمل شبيب بجميع أصحابه ، ونادى الحجاج بجماعة الناس ، فوثبوا في وجهه ، فما زالوا يطعنون ويضربون ، فنادى شبيب : يا أولياء الله ، الأرض ، ثم نزل وأمر أصحابه ، فنزل بعضهم ، / فقال خالد بن عتاب : ائذن لي في قتالهم ، فإنّي موتور ، وأنا ممن لا يتهم في نصيحته ، فقال : قد أذنت ، فأتاهم من
--> [ 1 ] في الأصل : « ابن عتاب الشيبانيّ » ، وما أوردناه من ت . [ 2 ] تاريخ الطبري 6 / 269 .